يمرّر أصابعه على حافة الكوب. يفعل هذا كل صباح الآن، قبل أن يشرب. السطح الخزفي بارد ثم يَدفأ تحت يده، ثمة خشونة صغيرة عند الحافة، شقّ رفيع لم يلحظه في السنوات التي شرب فيها من الكوب نفسه دون أن يراه. يقف هناك لحظة أطول مما يقتضيه شرب القهوة. ينتبه إلى الملمس، انتباه غريب بالنسبة إلى شيء يعرفه منذ سنوات.
ثم يأتي السؤال الذي يفسد كل شيء: في أي لحظة تحوّل الإحساس إلى ملاحظة الإحساس؟ متى صار يلمس الكوب، ومتى صار يراقب نفسه وهو يلمسه؟ لأن بين الفعلين مسافة، وهو يعرف الآن أنه يقف في تلك المسافة، لا في اللمس.
لم يحدث شيء بعينه. هذا ما يصعب شرحه. لا فاجعة يشير إليها ويقول: من هنا بدأ. الأشياء بقيت في أماكنها، الكوب نفسه، والضوء يدخل من النافذة كما كان يدخل، والقهوة لها الطعم نفسه. هو الذي انسحب من مكان ما، بهدوء، دون أن يقرّر. كأن أحدهم مدّ بينه وبين العالم طبقةً رقيقة من زجاج. يرى كل شيء بوضوح، وضوح أشدّ من قبل ربما، لكنه لا يلمسه. يداه على الزجاج، والأشياء خلفه.
هو لا يعيش اللحظة، يقف خطوة وراءها ويشاهدها تمرّ. ولم يعلمه أحد كيف يردم الخطوة.
ولأنه فقد التلقائية، صار يصنعها. هذا ما لا يفهمه أحد. صار يرتّب أشياءه على الطاولة بعناية لا يستحقها فنجان وملعقة. يطيل الوقوف عند النافذة يتأمل سقوط الضوء على الجدار المقابل، يتتبّع الظل وهو يزحف ببطء عبر الحائط. يفتح الكتاب على صفحة بعينها لا ليقرأ، بل ليشمّ الورق. طقوس صغيرة، يخترعها واحدة بعد أخرى، ليس لأنه يحبها. هي الحبل الوحيد الممدود بينه وبين الإحساس.
والناس، حين يرونه هكذا، يظنون أنهم يرون حكيمًا. رجل تعلّم كيف يتمهّل، أن ينتبه، أن يجد الجمال في التفاصيل التي يمرّ عليها الجميع دون أن يروها. يحسدونه أحيانًا على هذا الصفاء الظاهر، على قدرته على الجلوس طويلاً أمام شيء تافه واستخراج معنى منه. لا يعرفون أنه ليس صفاءً، إنه فقر يتنكّر في هيئة ثراء. الانتباه الحاد بصيرةٌ عند من تجري في عروقه علاقة حية مع العالم، وعند من خسر تلك العلاقة يصير علامةً على المرض لا على الشفاء. هو يحدّق في التفاصيل لأن كل شيء تسرّب من بين يديه، ولم يبقَ له إلا أن يجمع الفتات.
تأتيه أحيانًا لحظات يكاد فيها أن يشعر فعلاً. ضوء العصر حين يصير ذهبيًا ويملأ الغرفة، أو صوت المطر على الزجاج في الليل، أو رائحة قديمة تعبر فجأة وتفتح فيه بابًا كان مغلقًا. في تلك اللحظات يرتفع شيء في صدره، شيء يشبه ما كان يسميه السعادة. يمسك به. يحاول أن يبقيه. وقبل أن يتأكد أنه ممسك به فعلاً، ينسحب. ويبقى السؤال الذي لا جواب له: هل كانت لحظة شعور، أم أنه تذكّر شكل الشعور؟ هل أحسّ بالضوء، أم استدعى ذكرى رجل كان يُحسّ بالضوء ذات يوم؟
لم يعد يثق في قدرته على التمييز. الذاكرة ماكرة. تحفظ صورة الإحساس بعد أن يموت الإحساس، وتعرضها عليه في الوقت المناسب، فيظنها حياة وهي تمثال. يخاف أن كل ما يعيشه الآن من هذا النوع. صور محفوظة لأشياء عاشها مرة، يعيد تشغيلها في الداخل ويسمّيها حضورًا.
ومع ذلك يستيقظ كل صباح ويمرّر أصابعه على حافة الكوب. يرتّب طاولته. يقف عند النافذة. يبني، حجراً فوق حجر، عالمًا صغيرًا من التفاصيل المنتبَه إليها، عالمًا يسكنه وحده ولا يدخله أحد. لا يعرف إن كان هذا بناءً لبيت جديد، أم وصفًا دقيقًا للبيت الذي طُرد منه ولم يعد يحفظ غير خريطته.